السيد منذر الحكيم

58

مجتمعنا في فكر وتراث الشهيد السيد محمد باقر الصدر

* امّة كانت على ملّة إبراهيم ، قد خلت ، لها ما كسبت من عقائد ، وأعمال ، وتبعات ، وآثار تلك الأعمال في مجمل مسيرتها . * وامّة أخرى هي التي جاءت بعد تلك الامّة ، والتي اختلفت في الدين ، وأصبحت شيعاً من اليهود والنصارى ، لها ما تكسب أيضاً ، ولاتسأل إحداهما عمّا تفعل الأخرى ، فالرابط لهذه الجماعة وتلك هو العقيدة ، والسلوك ، والكسب ، والنتائج ، والآثار . * وامّة أخرى جاءت متميّزة في صيغتها وشعائرها ، وهي الامّة الوسط ، التي أخذت من جميع هذه الأُمم ما تشترك فيه من محاسن . ومن الواضح أنّ التقسيم هنا ليس تقسيماً قائماً على أساس العلاقات الطبيعية ، مثل : الدم ، اوالتاريخ ، أو اللغة ، إذ إنّ بعض النصارى واليهود كانوا من العرب ، ومن سكنة الجزيرة العربية ، كما كان بعضهم من غير العرب أيضاً ، وهذا هو حال المسلمين فإنّ فيهم العربي وغيره ، وإنّما قام التقسيم بين الامّتين على أساس « الملّة » ، والأفكار ، والعقائد ، والشعائر ، والسلوك ، وهي أمور تختلف فيها هذه الجماعة عن تلك ، وعلى هذا الأساس أيضاً نرى أنّ القرآن الكريم بعدما طرح معالم الأفكار والعقائد ، التي تتبنّاها الامّة الوسط ، والتي تعبّر عن طبيعة كسبها وسلوكها في مقابل اليهود والنصارى ، من خلال الإيمان بكلّ الرسالات الإلهية دون فرق ، قال تعالى : ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ . . . ) « 1 » . ثمّ طرح بعد ذلك موضوع القبلة ، التي هي من الشعائر التي تميّز هذا النوع من الأُمم بعضها عن بعض ، والتي ترتبط بالجانب السلوكي والمعنوي لعلاقات الناس ، وهي قضيّة كان يشترك فيها المسلمون مع المشركين ، في التقديس والاحترام ، رتّب

--> ( 1 ) البقرة : 136 .